الشيخ محمد علي طه الدرة
421
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
معتدل بين الصيف والشتاء ، فجعلوه في فصل الرّبيع ، ثم زادوا عشرة أيام كفارة لما صنعوا ، فصاموا أربعين يوما ، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه ، فجعل للّه عليه ، إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا ، فزادوا فيه أسبوعا ، ثم مات ذلك الملك بعد زمان ، ووليهم ملك آخر ، فقال : ما شأن هذه الثلاثة أيام ؟ ! أتمّوه خمسين ، فأتموه خمسين . واختار هذا القول النّحاس ، وقال : وهو أشبه بما في الآية ، وفيه حديث يدلّ على صحته ، أسنده عن دعفل بن حنظلة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كان على النصارى صوم شهر ، فمرض رجل منهم ، فقالوا : لئن شفاه اللّه ؛ لنزيدنّ عشرة أيام ، ثم كان ملك آخر ، فأكل لحما ، فأوجع فاه ، فقالوا : لئن شفاه اللّه لنزيدنّ سبعة أيام ، ثم كان ملك آخر ، فقال : لنتمّنّ هذه السبعة ، ونجعل صومنا في الربيع ، قال : فصار خمسين » . انتهى خازن ، وقرطبي ، وفي الكشاف باختصار . وأقول : ثمّ فكر علماؤهم بأنّ الامتناع من الطّعام ، والشّراب طيلة النّهار ، ثم الانفلات من ذلك عند المساء ، والانكباب على الطّعام ، والشراب هذا لا يكسر شره النفس ، ولا يحقّق الحكمة من الصّوم ، وهي تهذيب الأخلاق ، وتأديب الجوارح ، فرأوا أن يكون الامتناع عن الدسم - أي : عما يخرج من الحيوان - أردع للنفس وأزجر لها عن المعاصي ، فقرّروا أن يكون الصّوم عن ما يخرج من الحيوان من اللّحم ، وغيره ، وهذا كلّه يخضع لقاعدة عندهم ، وهي أن ما يعقد في الأرض يعقد في السّماء ، وما يحلّ في الأرض يحلّ في السماء ، فكأنّ وظيفة الرّبّ في نظرهم هي الموافقة على ما يحلّلون ، وما يحرّمون فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ! لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ انظر الآية رقم [ 186 ] الآتية . الإعراب : ( يا ) : أداة نداء ، تنوب مناب أدعو ، أو أنادي . ( أَيُّهَا ) : منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب ( يا ) . و ( ها ) : حرف تنبيه ، لا محل له من الإعراب ، أقحم للتوكيد ، وهو عوض من المضاف إليه ، ولا يقال : ضمير في محل جر بالإضافة ؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى . الَّذِينَ : اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من لفظ : ( أَيُّهَا ) وجملة : آمَنُوا . . . إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول ، لا محل لها . كُتِبَ : فعل ماض مبني للمجهول ، عَلَيْكُمُ : جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما . الصِّيامُ : نائب فاعل ( كُتِبَ ) والجملة الفعلية لا محل لها ؛ لأنها مبتدأة كالجملة الندائية قبلها . كَما : الكاف : حرف تشبيه وجر ، ( ما ) : مصدرية . كُتِبَ : فعل ماض مبني للمجهول ، ونائب الفاعل يعود إلى الصِّيامُ . عَلَى الَّذِينَ : جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما . مِنْ قَبْلِكُمْ : متعلقان بمحذوف صلة الموصول ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة ، و ( ما ) المصدرية ، والفعل : كُتِبَ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف ، التقدير : كتب عليكم الصيام كتابة كائنة مثل كتابته على الذين . أو